أحمد بن علي القلقشندي

32

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بمظافرتنا ولولا ذلك لكانت شديدة الاتّقاد ، ونكَّست رؤوس الفحشاء فعادت على استحياء إلى مستسنّها أقبح معاد ، ونشكره على أن سطَّر في صحائفنا من غرر السّير ما تبقى بهجته ليوم المعاد ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة يجدها العبد يوم يقوم الأشهاد ، وتسري أنوار هديها في البرايا فلا تزال آخذة في الازدياد ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعثه اللَّه بالإنذار إلى يوم التّناد ، والإعذار إلى من قامت عليه الحجة بشهادة الملكين فأوضح له سبيل الرّشاد ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من ردّ أهل الردّة إلى الدّين القويم أحسن ترداد ، ومنهم من عمّم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سائر العباد والبلاد ، ومنهم من بذل ماله للمجاهدين ونفسه للجهاد ، ومنهم من دافع عن الحق فلا برح في جدال عنه وفي جلاد ، صلاة تهدي إلى السّداد ، وتقوّم المعوجّ وتثقّف الميّاد ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإن اللَّه تعالى منذ ملَّكنا أمور خلقه ، وبسط قدرتنا في التصرّف في عباده والمطالبة بحقّه ، وفوّض إلينا القيام بنصرة دينه ، وفهّمنا أنه تعالى قبض قبل خلق الخلائق قبضتين فرغبنا أن نكون من قبضة يمينه ، وألقى إلينا من مقاليد الممالك ، وأقام الحجة علينا بتمكين البسطة وعدم المشاقق في ذلك ، ومهّد لنا من الأمر ما على غيرنا توعّر ، وأعدّ لنا من النّصر ما أجرانا فيه على عوائد لطفه لا عن مرح في الأرض ولا عن خدّ مصعّر - ألهمنا إعلاء كلمة الإسلام ، وإعزاز الحلال وإذلال الحرام ، وأن تكون كلمة اللَّه هي العليا ، وأن لا نختار على دار الآخرة دار الدّنيا ؛ فلم نزل نقيم للدّين شعارا ، ونعفّي للشّرك آثارا ، ونعلن في النصيحة للَّه تعالى ولرسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم جهرا وإسرارا ، ونتّبع أثر كرم نقتفيه ، وممطول بحقّه نوفّيه ، ونعلم حق قربة نشيّده ، ومخذولا استظهر عليه الباطل نؤيّده ، وذا كربة نفرجها ، وغريبة فحشاء استطردت من أدؤر ( 1 ) الحق نخرجها ، وسنّة سيئة تستعظم النفوس زوالها فتجعلها هباء منثورا ، وجملة عظيمة أسّست على غير

--> ( 1 ) جمع دار .